نصر حامد أبو زيد
57
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
الله تنزيل جبريل محمد الناس وحي / رسالة بلاغ / انذار إن « الناس » هم هدف الوحي وغايته ، ومن الطبيعي أن يكون النص في هذه الحالة دالا ، حيث هو رسالة لغوية ، على كل أطراف عملية الاتصال . وإذا كان النص بمثابة خطاب فلا بد أن يتضمن دوال تدل على المتكلم ، وعلى المخاطب الأول ، وعلى المخاطبين ، أي على اللّه ، وعلى محمد ، وعلى الناس . ومع ذلك فهذه الدوال لا تكون متساوية أو متوازية سواء من حيث طبيعتها الدلالية أو من حيث نسبتها العددية . وبالإضافة إلى أن النص كله لا يدل إلا من خلال النظام اللغوي الخاص بالمخاطبين ، فان الثقافة العربية ذاتها قبل الاسلام يمكن أن توصف بأنها ثقافة تنحو نحو المخاطب في نصوصها أكثر مما تنحو ناحية المتكلم « 1 » ، وانتماء النص إلى مجال هذه الثقافة يجعله - من هذه الوجهة - نصا ينحو ناحية المخاطب . وليس أدل على هذا الاتجاه في بناء النص وآلياته اللغوية من كثرة دوران أدوات النداء فيه ، سواء كان المنادى هم « الناس » أو « بني آدم » أو « الذين آمنوا » أو « الكافرون » أو « أهل الكتاب » ، هذا بالإضافة إلى نداء المخاطب الأول بالنبي أو الرسول . في مثل هذا التصور الذي يطرحه النص عن نفسه ، من خلال الثقافة ونظامها اللغوي ، يصبح التركيز على مصدر النص وقائله فقط إهدارا لطبيعة النص ذاته ، وإهدارا لوظيفته في الواقع ، وهو ما حدث في الفكر الديني الذي سيطر على التراث والذي ما زال فاعلا في ثقافتنا إلى اليوم . إن علاقة النص بالثقافة والواقع يمكن أن تنجلي بشكل أعمق في الفصول التالية . « 2 »
--> ( 1 ) انظر في التفرقة بين هذين النوعين من النصوص ، ومن ثم بين اتجاهين في الثقافة : يوري لوتمان : نظريات حول الدراسة السميوطيقية للثقافات : ص 335 - 337 . ( 2 ) ثمة دراسة هامة افدنا منها إفادة كبيرة في هذا الفصل ، وهي : Toshihiko Izutsu : Revelation As A Linguistic Concept in Islam